السادس من أغسطس عام 1945
كان صباح يوم عادي لهيروشيما ، الموظفون و العمال يتوجهون إلى مقرات عملهم ، المطاعم تفتح أبوابها لاستقبال من يريد تناول الإفطار ، و الخبز و رائحة الأفران .. محلات التسوق .. و تلاميذ المدارس يتسابقون للوصول إلى مدارسهم ، كل كان في شغله الذي يشغله في هذه المدينة التي كانت هادئة أيام الحرب إذا مو قورنت بأخواتها من المدن اليابانية الأخرى ..
إلا شخص غريب عن المدينة كانت لديه مهمة أخرى في الجو ، جاء محلقا من وراء البحار ، حلق بطائرته فوق هذه المدينة الوادعة الجميلة ..
اقترب أكثر من هدفه ، و في تمام الساعة الثامنة و الربع من ذلك الصباح التاريخي الموجع ، أسقط الطيار الأميركي العقيد بول تيبتس أول قنبلة نووية في التاريخ .. في لحظة واحدة ارتفعت حرارة هيروشيما إلى 4000 درجة مئوية ، غيوم غريبة الشكل على شكل المشروم ، و أمطار سوداء تهطل بكثافة ،
بضربة واحدة من ذلك العقيد الطيار ، 280 ألف قتيل حلقت أرواحهم إلى السماء ، و الضحايا من المصابين حتى كتابة هذه السطور لم تنتهي ملفات و أوراق هيروشيما من كتابة آخرهم ..
هنا بالتحديد سقطت القنبلة :
في الأسبوع الماضي كانت لي الزيارة الثانية إلى هيروشيما ، بعد أن زرتها في عام 2008 في جولة دراسية ..
و أنا أمشي في شوارع هيروشيما يتملكني شعور غريب من الاكتئاب و الحزن و الضجر ، كل زاوية من زوايا هيروشيما تتحدث عن مأساة مؤلمة ..
كأن الكارثة قد وقعت أمس ..
لكن ما يشد الإنتباه إن هيروشيما ، بآلامها ، بجراحها ، بمتاحفها ، بناسها و أهلها الطيبون ، كل شيء في هيروشيما يتحدث عن السلام و المحبة ،
ليست هناك من دعوات للانتقام و الثأر ، و لا لتأليب الجيل على من تسبب في مأساة آبائه و أجداده .. المتحف الرئيسي سمي باسم السلام ، شعلة متوقدة لا تنطفئ هي شعلة باسم السلام ، نصب تذكاري لطفلة قضت بسرطان جراء القنبلة هو نصب لتعليم الأطفال السلام ،
و على هذا النهج بنت اليابان مجدها التليد ، من هنا ، من هيروشيما ، من الدمار و الحطام ، من اللا شيء ، بدأ اليابانيون بكتابة أروع قصص النجاح و بناء الأوطان ..
في أقل من 50 عام استطاعوا أن يفرضوا احترامهم على العالم بأسره ، لتتنافس اليابان على عرش الاقتصاد العالمي ، كثاني أقوى قوة اقتصادية في الكرة الأرضية ..
و لذلك قال أحد وزراء التعليم في اليابان عندما تم سؤاله عن سر التقدم الياباني ، فقال بأننا حذفنا مفردتين من التعليم و حققنا ما حققناه ، تلك المفردتين : الحقد و الانتقام !!
في متحف السلام التذكاري ، حيث سقطت القنبلة ، تتجول في أرجاء المتحف لترى الكارثة و كأنها للتو قد وقعت ، مدعما بترجمة مفصلة تشرح لك كل شيء ، الترجمة لم تستثن اللغة العربية إضافة إلى لغات أخرى في الشرح ..
صور للكارثة ، منها خمس صور قام بتصويرها مصور ياباني و لكن مهمته لم تكتمل لأنه أصيب بالشلل جراء ما رأته عيناه ..
ألعاب أطفال و ملابس تلاميذ المدارس ، دراجاتهم ..
أجزاء من أجساد حقيقية محروقة جراء القنبلة ..
مجسمات حقيقية لطائر ورقي كرتوني كانت تعده طفلة مصابة بالسرطان كي تبشر بالأمل للآخرين إلى أن فاضت روحها ..
و غيرها الكثير من حاجيات أهالي هيروشيما الذين قضوا في الكارثة ..
هذه صورة لدراجة و خوذة لطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره ، دفن والد الطفل فلذة كبده في فناء البيت ، و معه دراجته و خوذته التي كان عليه لحظة الانفجار ..
وقصص كثيرة يطول الحديث عنها ، لا يملك المرء أمامها إلا دموع العين ، و ضربات القلب المتألمة ..
في حديقة شوكويين الواضحة أعلاه في الصورة ، ذهبت لتلك الحديقة و كنت اظنني وزوجتي سنستريح من كل ذلك الألم الذي رأينها و عشناه ..
كانت رائعة بأشجارها و بحيراتها ، و الشاي الأخضر كان في استقبالنا ..
و أنا أحتسي ذلك الشاي الأخضر في القدح الياباني الفخاري ، نظرت إلى لوحة وصورة أمامي تفيد بأن هذه الحديقة لجأ إليها سكان المدينة فور سقوط القنبلة ، و قضى عدد هائل من السكان مصرعهم ، و دفنوا في هذه المقبرة !!
بل و حتى قبل عشرين سنة من الآن ، تم اكتشاف رفات 40 جثة تحت هذه الحديقة الخضراء الجميلة !
ليس هناك من مكان تهرب فيه من هيروشيما ، لينسيك هيروشيما ..
المدينة بأكملها عبارة عن متحف ، كل زاوية فيها تتحدث عن قصة حدثت في السادس من أغسطس من عام 1945 ..
خلاصة القول :
قفزت اليابان على آلامها و جراحها ، و أصبحت على ما هي عليه اليوم ..
بالأمل ، بالعلم ، بالتسامح ، بالتسامي على الجراح ، و بالإصرار على البحث عن السعادة ..
طيب الله ثراك يا هيروشيما ..
