الجمعة، 10 فبراير 2012

هيروشيما .. طيب الله ثراك





السادس من أغسطس عام 1945
كان صباح يوم عادي لهيروشيما ، الموظفون و العمال يتوجهون إلى مقرات عملهم ، المطاعم تفتح أبوابها لاستقبال من يريد تناول الإفطار ، و الخبز و رائحة الأفران .. محلات التسوق ..  و تلاميذ المدارس يتسابقون للوصول إلى مدارسهم ، كل كان في شغله الذي يشغله في هذه المدينة التي كانت هادئة أيام الحرب إذا مو قورنت بأخواتها من المدن اليابانية الأخرى ..
إلا شخص غريب عن المدينة كانت لديه مهمة أخرى في الجو ، جاء محلقا من وراء البحار ، حلق بطائرته فوق هذه المدينة الوادعة الجميلة ..
اقترب أكثر من هدفه ، و في تمام الساعة الثامنة و الربع من ذلك الصباح التاريخي الموجع ، أسقط الطيار الأميركي العقيد بول تيبتس أول قنبلة نووية في التاريخ .. في لحظة واحدة ارتفعت حرارة هيروشيما إلى 4000 درجة مئوية ، غيوم غريبة الشكل على شكل المشروم ، و أمطار سوداء تهطل بكثافة ،
بضربة واحدة من ذلك العقيد الطيار ، 280 ألف قتيل حلقت أرواحهم إلى السماء ، و الضحايا من المصابين حتى كتابة هذه السطور لم تنتهي ملفات و أوراق هيروشيما من كتابة آخرهم ..

هنا بالتحديد سقطت القنبلة :


في الأسبوع الماضي كانت لي الزيارة الثانية إلى هيروشيما ، بعد أن زرتها في عام 2008 في جولة دراسية ..
و أنا أمشي في شوارع هيروشيما يتملكني شعور غريب من الاكتئاب و الحزن و الضجر ، كل زاوية من زوايا هيروشيما تتحدث عن مأساة مؤلمة ..
كأن الكارثة قد وقعت أمس ..
لكن ما يشد الإنتباه إن هيروشيما ، بآلامها ، بجراحها ، بمتاحفها ، بناسها و أهلها الطيبون ، كل شيء في هيروشيما يتحدث عن السلام و المحبة ،
ليست هناك من دعوات للانتقام و الثأر ، و لا لتأليب الجيل على من تسبب في مأساة آبائه و أجداده .. المتحف الرئيسي سمي باسم السلام ، شعلة متوقدة لا تنطفئ هي شعلة باسم السلام ، نصب تذكاري لطفلة قضت بسرطان جراء القنبلة هو نصب لتعليم الأطفال السلام ،
و على هذا النهج بنت اليابان مجدها التليد ، من هنا ، من هيروشيما ، من الدمار و الحطام ، من اللا شيء ، بدأ اليابانيون بكتابة أروع قصص النجاح و بناء الأوطان ..
في أقل من 50 عام استطاعوا أن يفرضوا احترامهم على العالم بأسره ، لتتنافس اليابان على عرش الاقتصاد العالمي ، كثاني أقوى قوة اقتصادية في الكرة الأرضية ..
و لذلك قال أحد وزراء التعليم في اليابان عندما تم سؤاله عن سر التقدم الياباني ، فقال بأننا حذفنا مفردتين من التعليم و حققنا ما حققناه ، تلك المفردتين : الحقد و الانتقام !!



في متحف السلام التذكاري ، حيث سقطت القنبلة ، تتجول في أرجاء المتحف لترى الكارثة و كأنها للتو قد وقعت ، مدعما بترجمة مفصلة تشرح لك كل شيء ، الترجمة لم تستثن اللغة العربية إضافة إلى لغات أخرى في الشرح ..
صور للكارثة ، منها خمس صور قام بتصويرها مصور ياباني و لكن مهمته لم تكتمل لأنه أصيب بالشلل جراء ما رأته عيناه ..
ألعاب أطفال و ملابس تلاميذ المدارس ، دراجاتهم ..
أجزاء من أجساد حقيقية محروقة جراء القنبلة ..
مجسمات حقيقية لطائر ورقي كرتوني كانت تعده طفلة مصابة بالسرطان كي تبشر بالأمل للآخرين إلى أن فاضت روحها ..
و غيرها الكثير من حاجيات أهالي هيروشيما الذين قضوا في الكارثة ..
هذه صورة لدراجة و خوذة لطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره ، دفن والد الطفل فلذة كبده في فناء البيت ، و معه دراجته و خوذته التي كان عليه لحظة الانفجار ..


وقصص كثيرة يطول الحديث عنها ، لا يملك المرء أمامها إلا دموع العين ، و ضربات القلب المتألمة ..


في حديقة شوكويين الواضحة أعلاه في الصورة ، ذهبت لتلك الحديقة و كنت اظنني وزوجتي سنستريح من كل ذلك الألم الذي رأينها و عشناه ..
كانت رائعة بأشجارها و بحيراتها ، و الشاي الأخضر كان في استقبالنا ..
و أنا أحتسي ذلك الشاي الأخضر في القدح الياباني الفخاري ، نظرت إلى لوحة وصورة أمامي تفيد بأن هذه الحديقة لجأ إليها سكان المدينة فور سقوط القنبلة ، و قضى عدد هائل من السكان مصرعهم ، و دفنوا في هذه المقبرة !!
بل و حتى قبل عشرين سنة من الآن ، تم اكتشاف رفات 40 جثة تحت هذه الحديقة الخضراء الجميلة !
ليس هناك من مكان تهرب فيه من هيروشيما ، لينسيك هيروشيما ..
المدينة بأكملها عبارة عن متحف ، كل زاوية فيها تتحدث عن قصة حدثت في السادس من أغسطس من عام 1945 ..

خلاصة القول :
قفزت اليابان على آلامها و جراحها ، و أصبحت على ما هي عليه اليوم ..
بالأمل ، بالعلم ، بالتسامح ، بالتسامي على الجراح ، و بالإصرار على البحث عن السعادة ..
 طيب الله ثراك يا هيروشيما ..







الخميس، 19 يناير 2012

الرمز الملهم والمقدس في اليابان



قد يكون من المستغرب إن هذا الجبل بصورته لم يمر علينا في حياتنا اليومية عندما يكون هناك أمر متعلق باليابان ،
صورته قد تمثل أمامنا في لعبة الكترونية ، أو في الرسوم المتحركة ، أو كأس شاي ، أو إبريق زجاجي تراثي، أو في مروحة يدوية يابانية الألوان و الحكايا ، أو حتى في فستان تقليدي أو طابع بريدي !


إنه الرمز الأكثر شهرة لدى اليابان ،
هذا الجبل الأسطوري ما قصته ؟ و ما سر تهافت اليابانيين وغيرهم للذهاب إليه ؟؟





إنه جبل فوجي ، أو كما يسميه اليابانيون ( فوجي سان ) ،
هو أعلى قمة جبلية في الأرخبيل الياباني ، يبلغ ارتفاعه 3777 مترا ، و تحيط بهذا الجبل خمس بحيرات ، هذه البحيرات تكونت بفعل الحمم المنهمرة وأنهار وجداول ومستنقعات تغذيها عيون مائية سريعة التدفق .

هذه البحيرات الخمس يطلق عليها :
بحيرة كاواجوتشي Kawaguchi
وبحيرة ياماناكا Yamanaka
وبحيرة موتوزو Motosu
وبحيرة سايكو Saiko
واخيرا بحيرة شوجي Shoji





على قمة هذا الجبل ، فوهة طولها 800 متر و عمقها حوالي 200 متر
هذا الجبل ليس أكثر جبال العالم ارتفاعا ، و لكن صنفه علماء الأرض بأنه أجملهم على الإطلاق .
إذ تتغير ألوان هذا الجبل مع تغير فصول السنة الأربعة ، و في كل فصل من الفصول كأنما هنالك أثواب خاصة يرتديها و يستبدلها كل ما أراد ذلك مع تغير مواقيت الطقس .








في أيام الصحو و الأيام المشرقة يمكن رؤية الجبل من العاصمة طوكيو التي تبعد 130 كيلومتر عن موقع الجبل .
لهذا الجبل منظر مهيب ، متربع بكبرياء و هدوء على الأرض ، هو بركان خامد ، كان آخر انفجار له في عام 1707 بعد الميلاد ، و منذ ذلك الحين لم ينفجر أبدا .







جبل فوجي له مكانة مقدسة في ديانة الشنتو اليابانية ، دارت حوله الكثير من الأساطير و الروايات ، و اللافت من بين تلك الأساطير بأنه كان يحظر على النساء في اليابان قديما الاقتراب منه !! و كان يراه البعض إلها للعبادة ، و أخرون يرونه ملتقى للأرواح ، و غيرها ..
يحتضن هذا الجبل من المعابد ما يصل عددها إلى المائة معبد ، و يحج لهذا الجبل عدد هائل من معتنقي البوذية و الشنتو .




ختاما ، و لأن هذا الشعب لا يترك الحياة تمر دون أن يضفي عليها لمسته و إبداعاته و حرصه على استغلال كل ما من شأنه إحراز تقدم أو تطور للبشرية جمعاء ، فقد أقام  اليابانيون على قمة هذا الجبل مرصدا فضائيا للأبحاث العلمية الحديثة !!
دمتم بخير ..

 

الثلاثاء، 10 يناير 2012

الواق واق النووية تبتسم



فوكوشيما ، اسم مجهول لمنطقة مجهولة لم يذكرها عالمنا من قبل ، أين هي ؟ و ما هي ؟ و ما جدوى ذكرها ؟؟
بعد الحادي عشر من مارس 2011 هي الشغل الشاغل ، و القلق المتوجس في قلب كل عارف بما حدث لها .. لقد حبس هذا الاسم المجهول أنفاس العالم ..
لم يخطب إمبراطور ياباني لشعبه إلا في الحرب العالمية الثانية ، إلا إنه من أجل فوكوشيما تحدث مرة أخرى !
كانت ليلة باردة و الساعة تشير إلى آخر الثواني في العام الماضي المأساوي 2011 على هذه المحافظة من محافظات جزر الواق واق ..
أضاءت أبراج طوكيو ، و دوت أنوار الألعاب النارية ، وعزفت اذاعات و فضائيات اليابان أجمل السيمفونيات في التسامي على الجراح ، و الآلام ، و المأساة !
هي كذلك ، فوكوشيما كغيرها من أخواتها في المأساة ، تراقصت ليست مذبوحة من الألم ، و إنما تراقصت إصرارا على محو الألم ..
تقول هذا العام 2012 هو عام أمل ، و ليس ألم ..
في فوكوشيما ، تتلخص الشخصية اليابانية باختصار : الالتزام ، الانضباط ، التخطيط بروية ، دقة التوقيت ، احتواء الأزمة ، و الإبتسامة قبل هذا و ذاك !!

فوكوشيما المجهولة سابقا ، الشهيرة حاليا ،
تحوي محطة نووية عتادها من ستة مفاعلات نووية ، و على أبواب تلك المفاعلات رجال عاهدوا اليابان و إمبراطورها ، فمنهم من قضى نحبه ، و منهم من ينتظر ، و منهم من هو على أهبة الاستعداد للوقوف على قدميه ميتا دفاعا و وذودا عن جزر الواق واق النووية !

يتحدث اليابانيون عن أم كان لها إبن ، وهذا الإبن كان أحد الذي سيتطوعون للعمل من أجل احتواء أكبر كارثة بشرية نووية مرت على الإنسان بعد تشيرنوبل ..
قالت الأم لولدها : اذهب و أنقذ أمتنا !
و قصة أخرى ، متقاعدون عن العمل ، نحن سنذهب رغم تقاعدنا ورفاهية حياتنا بعد ما قدمناه في حياتنا السالفة ، سنذهب لأن أعمارنا هي الآن ما تبقى منها أقل مما مضى بكثير ، نحن سنضحي و لتحيا اليابان و شبابها و جيلها الناشئ و القادم ..

كان صباح أول أيام العام الجديد 2012 ،
من على شرفة الجناح في القصر الإمبراطوري ، ومن وراء حاجز زجاجي ،  أطل الإمبراطور أكيهيتو بمعية زوجته الإمبراطورة ميتشيكو ، و ولي عهده ابنه ناروهيتو و خيرة من أبناء أقدم عائلة إمبراطورية حاكمة في هذا العالم ، و كانت هناك أميرة صغيرة جدا ، و جميلة جدا ، هي حفيدة الإمبراطور الأميرة أيكو ..
حيا الإمبراطور شعبه ، و بكلمات موجزة و مختصرة :
 "قلبي أيضا مع الذين للأسف لا يمكنهم العيش في الأماكن التي اعتادوا عليها بسبب التلوث الإشعاعي الناجم عن أزمة المحطة النووية".
وأعرب امبراطور اليابان عن أمله في أن تكون 2012 سنة جيدة وسلمية على الشعب في اليابان وجميع أنحاء العالم".
دمتي يا جزر الواق واق النووية بخير و عافية ، و كل عام وأنت بخير ..





السبت، 7 يناير 2012

في بداية السطر ..

هذه المدونة محاولة متواضعة لسرد ما يختمر الفكر و هو يرى العالم بصورة أخرى ، من بلد هو عالم آخر بحد ذاته ..
هذه المدونة ليست موجهة لإساءة دين أو فكر أو شخص ما ،
قائمة على أساس الاحترام للجميع ، و على مبدأ التواصل الإنساني الراقي ..
هذه المدونة ستسرد مشاهدات من وحي التجربة ، و ستتلاقح فكريا مع كل ما هو إضافة للعقل البشري الخلاق ..
الواق واق ، هي الجزر البعيدة ،  المجهولة ، غير المعروفة بعد بكامل أسرارها و كنائزها ..
هي العالم الذي يعيش إلى جانب عالمنا ، هي الكون المتاخم لكوننا ..
أرخبيل جزر متناثرة حوى تاريخ الإنسان بتطوراته المتعاقبة ، ضارب جذوره في أعماق الأرض ، مشعا بضياءه إلى عنان السماء ، و مسطرا ملاحما من النجاح ، و الإصرار على كسر عظم المستحيل ..
من هذه الجزر التي أشار لها الراحل ابن بطوطه بأنها أرخبيل جزر اليابان ..
من هذه البقعة الجغرافية البعيدة فيما وراء البحار و المحيطات ، من التي ترى نفسها في وسط العالم ، و نراها نحن في أقصى الشرق ..
من هنا حلقة الوصل ، تأتي الأفكار و تأتي كلمات هذه المدونة ..
طابت أوقاتكم بكل خير ..